الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

452

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله « 1 » . وجزم عبد الرزاق بأن « شد مئزره » هو اعتزاله النساء ، وحكاه عن الثوري . وقال الخطابي : يحتمل أن يراد به الجد في العبادة ، كما يقال : شددت لهذا الأمر مئزرى ، أي : تشمرت له ، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معا ، ويحتمل أن يراد به الحقيقة والمجاز ، فيكون المراد : شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وتشمر للعبادة . وقوله : « وأحيا ليله » أي : سهره فأحياه بالطاعة ، وأحيا نفسه بسهره فيه ، لأن النوم أخو الموت ، وأضافه إلى الليل اتساعا ، لأن النائم إذا حيى باليقظة حيى ليله بحياته ، وهو نحو قوله : « لا تجعلوا بيوتكم قبورا » « 2 » ، أي : لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور . فقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - يخص العشر الأخير بأعمال لا يعملها في بقية الشهر . فمنها : إحياء الليل ، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله ، ويشهد له حديث عائشة من وجه ضعيف « وأحيا الليل كله » وفي المسند عنها أيضا ، قالت : كان - صلى اللّه عليه وسلم - يخلط العشرين بصلاة ونوم ، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر « 3 » ، وفي حديث ضعيف عن أنس عند أبي نعيم : كان - صلى اللّه عليه وسلم - إذا دخل شهر رمضان قام ونام فإذا كان أربعا وعشرين لم يذق غمضا ويحتمل أن تريد بإحياء الليل غالبه ، وقد قال الشافعي في القديم : من شهد العشاء والصبح في جماعة ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها . وروى في حديث مرفوع عن أبي هريرة : « من صلى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر » « 4 » . رواه أبو الشيخ .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 2024 ) في صلاة التراويح ، باب : العمل في العشر الأواخر من رمضان . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 2042 ) في المناسك ، باب : زيارة القبور ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن أبي داود » . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) أخرجه البيهقي ، كما في « كنز العمال » ( 24092 ) .